التربية بالسلوك والحال قبل أن تكون بالوعظ
 

بقلم : الأستاذة / ريم القنيعة                ( مديرة القسم الابتدائي بمدارس الامتياز )

 
التحميل

اسم المقال

التربية بالسلوك والحال قبل أن تكون بالوعظ

التربية تتناول المعارف والقيم والمهارات، لكن كثيراً ما يختصرها المربّون بعلوم يلقّنونها، ثم يختبرون بها الطالبات !
ولا نريد هنا أن نحصر مفهوم “المربّي” بذلك الإنسان الذي كانت التربية مهنته كالمعلمات في مختلف مراحل الدراسة من الحضانة والروضة حتى الدراسات الجامعية والعليا…

فإن هناك مربّين آخرين لا يقلّ دور بعضهم في التربية عن دور المعلّمات. فالأمهات والآباء، ثم خطباء الجمعة والوعاظ، ثم الإعلاميّون في الصحافة والإذاعة والتلفاز… كل هؤلاء يسهمون في العملية التربوية، كلٌّ حسب موقعه.
وكلمة “ التلميذات ” كذلك لا تقتصر على أولئك الذين تحويهم غرفة الصف، وساحة المدرسة، بل إن أولادنا جميعاً تلميذات في بيوتنا

و”التلميذة ” كما تتأثر بكلام أستاذتها (معلّمه وأبيه …) تتأثر بسلوكها وهيئتها… بل إنها تتأثر بـ(الحال)، كثيراً ما يفوق تأثرها بالمقال.
وأعظم المربين، على الإطلاق هم الرسل الكرام، عليهم الصلاة والسلام، لذلك جعلهم الله في درجات من الكمال يصلُحون بها أن يكونوا قدوات لأقوامهم، بل كانوا كذلك يؤكدون أنهم لا يبتغون أجراً على عملهم، إنما يطلبون الأجر من الله. وهذا التأكيد نفسه إظهار لعظيم التزامهم بما يدعون إليه.
قال تعالى :(( قد كانت لكم أسوةٌ حسنةٌ في إبراهيم والذين معه )) سورة الممتحنة:4.
ونبي الله شعيب يقول لقومه: (( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه. إنْ أريدُ إلا الإصلاح ما استطعت )) سورة هود:88.
وجاء على ألسنة عدد من الأنبياء، في القرآن الكريم، قولهم لأقوامهم:

(( وما أسألكم عليه من أجر. إن أجري إلا على رب العالمين )) سورة الشعراء.
ولما كان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم خاتَمَ النبيين، فقد كان بسَمْته وحاله ومسلكه وخشوعه وحكمته وشجاعته وصبره وحلمه…، أعظم أسوة لمن طلب الحق والصواب والترقي في معارج الكمال:
(( لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ً)) سورة الأحزاب:21.
ومن شأن الناس، أنهم إذا خالطوا الرجل العظيم عن قرب، كشفوا فيه بعض جوانب النقص والضعف التي تعتري الإنسان، فضعُفت هيبته ومكانته في نفوسهم… إلا رسول الله ، فقد كان مَن رآه بديهة هابَه، ومن خالطَه عِشرةً أحبّه، وكان أقربُ الناس إليه كخديجة وعائشة، وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأنس بن مالك وأبي هريرة… أكثرَهم حبّاً له وتعظيماً وتوقيراً واقتداءً.
**********
وقد أدرك الحكماء أهمية القدوة في شخص المربّي، فكثُرت في ذلك أقوالهم.
يقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود: “من كان كلامه لا يوافق فعله فإنما يوبّخ نفسه”
ويقول مالك بن دينار (ت:131هـ): ” العالم إذا لم يعمل بعمله زلَّتْ موعظته عن القلب كما يزلُّ الماء عن الصفا” والصفا: الحجر الأملس.
ويقول الشاعر:
وينشـأ ناشئ الفتيـان منّا على ما كـان عوّده أبـوه
ويقول آخر، مخاطباً المربّي:
ابدأ بنفسك فانْهَها عن غَيِّها فإذا انتهتْ عنه فأنت حكيمُ
فهذه الأقوال جميعاً تؤكّد مسألتين، تكمل إحداهما الأخرى:
الأولى : أن الإنسان يتأثر بمسالك الذين ربّوه أكثر مما يتأثر بأقوالهم.
الثانية : أن المربي الذي لا يلتزم بما يدعو إليه الآخرين، يكون أثره فيهم ضعيفاً، ولذلك فإن عليه أن يبدأ بنفسه، فيما يقوم بغرسه من القيم.

المربية الناجحة تتفاعل مع تلميذاتها، فتتفاعلن معها، وتتودد إليهم فيتوددون إليها، وقد يصل الأمر بهم إلى درجة الاستهواء، حيث يقلّدونها ويتقمّصون شخصيتها، ويتصرفون مثلها، بشعور وغير شعور، وقد يعملون على أن تكون مِشيتهم كمِشيتها، وضحكتها كضحكتها…

ومن باب أولى أنهم يتقبّلون توجيهاتها، وينفّذون أوامرها… وبذلك تتمكن من تحقيق الأهداف التربوية فيهم بأسرع ما يكون، وبأعمق ما يكون.المربية، أماً كانت أو معلّمة… تؤدي أمانة عظيمة، وستسأل عنها أمام الله تعالى. فلتحرِصْ أن تكون في ظاهرها وباطنها مُرْضياً لله تعالى، فإنْ فعلت خيراً فلها أجرها وأجر من اقتدى به في ذلك من تلميذاتها.
ويكفي المعلّمة شرفاً أن رسول الله قال: “إنما بُعِثتُ معلّماً”. رواه ابن ماجه.

 

 

 

 

 

 

 www.alemtiaz.net    ..    مدارس الامتياز الاهلية
 

منتديات مدارس الامتياز الاهلية

w w w . a l e m t i a z . o r g